السبت، 3 مايو، 2008

طفل صغير وماسورة


كنت أركب بجوار صديق لي في سيارتة ندور في شوارع القاهره بدون طريق أو مكان محدد وهذا شيء ليس بغريب إذ أننا دائما ما نفعل أشياء مثل هذه ’ إقترح علي هذا الصديق العزيز أن نتوجه الي أحد المطاعم المعروفة بمنطقة المهندسين لأن نداء البطون قد حان لم أفكر كثيرا لأنه كان يمتلك قدرات عجيبة و إغراءات رهيبة تجعلك تتمني تلك اللحظه التي سوف تشعر بسخونة الطعام بين يديك .
نزل هو لشراء الطعام ’ أما أنا أخذت أمارس إحدي أفضل الهوايات لدي ألا وهي متابعة وشوش وتصرفات خلق الله ’ وقعت عيني عليه.. طفل في حوالي التاسعة أو العاشرة من عمره ( من أطفال الشوارع ) يرتدي ملابس لا تدري كنهها أو إذا أردت الدقه هي بقايا ملابس .
يمارس هو الأخر شيئا.. تراه من ملامح وجهه عزيز جدا عليه ’ فقد كان يلهو مع ماسورة من الحديد الخشن القاسي تنام علي جانبها بجوار الرصيف ’ يقف فوقها ويحاول بأقصي جهد له أن يجعلها تتحرك لتدور وهو يتراقص عليها ’ وترتسم علي فمه ضحكة واسعة وكأنه يحي بها جماهير خياله الجامح ’ يستمر في متابعة عمله بإصرار طفل صغير.. إلا أن يستيقظ علي وقوعه من فوقها علي الأرض ’ يقوم مرة أخري ليكرر محاولاته لإسعاد الجماهير وينجح لعدة ثوان قليلة ثم يسقط من جديد فيعيد الكره مرات ومرات بلا توقف .
بدون شعور وجدتني أخرج تليفوني لكي أصور هذا الطفل وما يفعله وما إن شرعت في عمل هذا حتي وقعت عينه علي تلك الكاميرا التي تتابعه وأصابه ذعر حقيقي غير مبرر منها ’ وانطلق جاريا نحوي ’ وصوته يعلو ليقول لي من بين دموعه : إنت بتصورني ليه إنت هتقبض عليا إنت هتوديني السجن والنبي بلاش ’ ولم أتمكن من إستيعاب ما يجري حين إلتف حول السيارة مجموعة من أصدقائه يرددون أشياء تؤيد كلام زميلهم في الكفاح ’ ضاع صوتي وسط هياجهم وأنا أحاول معالجة خوف الطفل وتهدئة أصدقائه دون أن أنزل من السيارة ولكن بلا فائدة لأنهم كانوا يتعمدون فعل ذلك ليمكنوا زميلهم من الهروب .
إنتهي صديقي من إحضار الطعام ’ ثم أنتبه لما يحدث فجاء يجري ليري ما يحدث وهو يتحدث أيضا بذعر ( أعتقد انه كان ذعر خوفا علي السيارة ) لم أستطيع ان أتبين ما يقول هو الأخر ’ لأني كنت أري مايحدث وكأنه فيلم صامت والجميع يقومون بأدوارهم وأنا المتفرج الوحيد .
ثم نجح صديقي أخيرا في أن يضع نهاية لما يحدث ورأيتهم يتفرقون جميعا بسرعة وركب مرة اخري السيارة وسبهم سبة بذيئه وهو يبتسم لي .فنظرت له وبداخلي شعور واحد فقط هذا الشعور هو أنني ولأول مرة ومنذ معرفتي لهذا الصديق أفقد شهيتي للأكل .


ضربة شمس (جريدة الدستور ) 23/4/2008

هناك 11 تعليقًا:

مصطفى السيد سمير يقول...

التفاصيل الغنية اللي موجودة حوالينا
موجعة ومفرحة
مابتوجعش أي حد
ولا بتفرح أي حد

جميل يا شادي

شادي أصلان يقول...

ربنا يخليك يا مصطفي
صحيح تفاصيلنا بتوجعنا وبتفرحنا

عاشقة القمر يقول...

بجد مش عارفه اقولك اما قريت المقال ده عجبني وحبيته اد ايه .. بجد جامد جداااا .. مشهد حلو اوي اوي .. وصفك ليه فعلا اكتر من رائع .. تسلم ايدك يا شادي ..
هروح انا بقى ضربة شمس عشان اقولك رأيي في بتاع الاسبوع ده لغاية ماييجي هنا :)

شادي أصلان يقول...

ربنا يخليكي يا قمر بجد حاجة حلوة اوي ان الواحد يحس ان في ناس بتحس بالي هو بيقولو شكرا ليكي بجد

كراكيب يقول...

الله... الله... امال المقاله بتاعة الأسبوع ده فييييين
مش تسرع ايدك كدة يا استاذ شادي
لالالا قالولنا في المدرسة "لأ تؤجل عمل اليوم إلى الغد" انت كنت غايب يوم ما قالوا كدة واللا ايه؟؟
بس دي تحفة جدا والموقف فعلا يسد النفس عن الأكل
إلا قولي صحيح هو انتوا كنتوا هتاكلوا ايه؟؟؟

شادي أصلان يقول...

كراكيب والله منورة الدنيا
حاضر بس والله بيكون غصب عني
وتقريب الحصة بتاعة عمل اليوم والغد كنت مزوغ فيها
اما بقي بالمناسبة كنا بناكل ايه مشش هقولك لان دي اسرار مهنه (:

emo يقول...

الله عليك بجد ياشادى
انا لما قريتها فى ضربة شمس
قلت معقول فية كدة تصويرك للمشهد تحفة
انت كاتب حلو اوى
ربنا معاك ديما

غير معرف يقول...

احساسك بالطفل ده واضح اوى بس احساسك ووصفك لصاحبك كان اوضح واحساسى انا بقى انك كنت فى عالم وصاحبك فى عالم والطفل كان فى عالم تانى خالص
وانت ابدعت فى انك توصف كا عالم فيهم
ضحى

شادي أصلان يقول...

ضحي
كلامك بيسعدني ووجودك بيشرفني
وصحيح صدق الي قال ان كل واحد ليه عالم

dodi يقول...

كالعاده متألق يا شادي
وكالعاده بحس وانا بقرأ كتاباتك اني قدام شاشه عرض بتفرج على شخصيات متحركه وشايفه فيها ادق تفاصيلها

شادي أصلان يقول...

dodi
ربنا يخليكي الف كر علي كلامك الرقيق