الأربعاء، 28 مايو، 2008

بنطلون قطيفة أسود


كل من يراني أرتديه كان يطلق تعليقات متشابهة من نوع واحد ’ ياااه فاكر البنطلون دا أول ما جبته كان جامد جداً .
هو بنطلون أسود من القطيفة كنت قد أشتريته منذ أقل من عام ’ وظهرت أثار تلك الفترة من عوامل التعرية وخلافة علي بعض المناطق الظاهرة فيه فبهت اللون الأسود في معظم المناطق وأختفي تماماً في أخري ليترك خلفة مساحات غير منتظمة من البقع البيضاء ’ في بداية الأمر كان ذلك الزحف الأبيض يمارس نشاطه علي استحياء غير ملفت وأنا كنت أتعامل معه بشيء من التجاهل بل دائما ما كنت أفرح عندما الاحظ أن مكاسب هذا الغزو تزيد .
زاد معدل أستخدامي له في الفترة الماضيه مما أعطاني الفرصة لكي أتابع بدقة الأنتصارات التي يحققها الأبيض ’ بدأت التعليقات علية تزيد من قِبل كل من أعرفهم ’ كنت أصاب بالدهشة عندما أسمعهم يقولون لي أن الوقت قد حان للأستغناء عنه ’ يعلنون ذلك ببساطه شديدة تجعلني أسأل نفسي هل هذا طبيعي ؟ ليتني أستطيع أن أتحدث معه ليعرف أنني غير قادر علي الأستغناء عنه ولا أستطيع أن أخذلة أريد أن أقول له لا تخف لن أضيع حقك علي ’ مع أني - للعلم - أعرف أن هذا كذب بين ... لأنه بنفس البساطه سوف يأتي وقت يبدأ الدور المخصص له في حياتي في الأنتهاء إلي أن يتلاشي ولا يصبح له وجود علي الاطلاق ’ وبما أن هذا القدر المحتوم ليس الأن فلماذا يريد الجميع أن يحرمه من الأيام القليلة الباقية له لكي يقوم بأخر مشهد له ... أعتقد أنه سيكون الرئيسي في حياته كلها سيكون الماستر سين .
عندما يستيقظ ليجد شخص أخر غيري يرتديه أو يجد نفسه مكوم في ركن أخر رف في دولاب ملابسي سيعرف لحظتها إلي أي مدي كانت حياته كذبه ’ ولكن إلي الأن لم تأتي ساعته ومازال قادراً علي الوفاء بمتطلبات صاحبه ’ لتلك الحقائق وغيرها من الأسباب العديدة لن أستسلم لمحاولات الأخرين دفعي لكي أستغني عنه ’ نعم لن أحيله للتقاعد .. خصوصا أنه كثيراً ما كان يمتلك القدرة علي أن يسبب لي المشاكل ولم يفعل ’ سأقابل ذلك بأنني سأسعي بكل جهدي لكي أعطيه فرصته كاملة لينفذ مشهدة الأخير بل لن أتوقف عند ذلك سأعمل علي تكريمة ما بقي لي من عمر فقد خصصت له مكانا بارزاً في واجهة دولابي يستطيع معه كل من ينظر داخل الدولاب أن يراه .
سيطر العدو الأبيض علي معظم صاحبي ومع ذلك لم يهبط حماسي في أستغلاله كصديق ’ الي أن جائت اللحظة الحاسمة كنت أجلس يومها علي القهوة مع بعض أنصار العدو وفي حركة خاطفة يشتبك مع مسمار بارز من الكرسي ليقضي عليه في معركة لم تستمر أكثر من ثواني ... فأنطلقت عائداً إلي منزلي لكي أضعه في مثواه الأخير .


ضربة شمس ( جريدة الدستور 21/5/2008 )

الخميس، 22 مايو، 2008

فاصل بدون صورة

أشعر انني اريد الكتابة ولكن لا اعرف ماذا سأكتب هل اكتب اي كلام لكي تكون كتابة ؟! أم يجب أن اكتب كلام لة معني ؟ سؤال يؤرقني أعتقد انة صعب .
هي معادلة مستحيلة اجد نفسي اريد أن أمسك القلم وأكتب بشهوة .
نعم شهوة حقيقية للكتابة لا أعرف ماذا سأكتب ولا كيف سأكتب ولكن اشعر بانه يجب ان يكون هناك كتابة وانني أكون صانعها.
ماذا وكيف ولكنة سيحدث تدفعني شهوتي لإرتكاب هذا الفعل للوصول للحظة النشوة تلك اللحظة التي سوف اتمكن فيها من الوصول لنهاية ما بداته .
ولكن هل سوف اتمكن من هذا فعلا ؟ لا اعرف ولا اريد ان اعرف ’ ولو تم فهل سيتم كما أردته دائما ام لا ’ وهل سوف تطفيء شهوتي للكتابة ؟ ’ ولو حدث وانطفأت هل هنا أستريح منها ام ستظل تؤلمني ’ في تلك الحالة سوف تكون رغبة بدون شهوة اذا كان هناك فرق بينهم وان لم يكن فسوف تكون رغبة مدمره اعتقد ان هذه اللحظة هي قمة الألم دائما ما تمنيت أن تموت تلك اللحظة ’ فكيف يعيش الانسان برغبة دون القدره علي تصور احتمالات تحقيقها .هل هذا كلام ام كتابه ولا هو ايه بالظبط مش عارف بس الي عارفة كويس ان لازم اقفش في حقي اني اكتب زي ما انا عايز بغض النظر عن دا ايه طول ما انا مش من حقي اني أحدد رأي الناس يبقي من حقي اني اكتب الي انا عايزة ولا ايه ؟

الاثنين، 12 مايو، 2008

العجوز وأوراقة


جلس بجواري في إنتظار الأتوبيس القادم ’ كان في العقد السادس تقريبا من عمره تشعر مع شيب شعره وتجاعيد وجهه المحببة بالراحة ’ يحمل في يده مجموعة من الأوراق المهترئة الصفراء أعتقد أنها بقايا كتاب ’ لم استطع منع نفسي من اختلاس بعض الجمل من أوراقة إلي أن وقع نظري علي جملة هي عبارة عن نصيحة تقول : إذا أردت أن تري مدي التدبير الإلهي في حياتك ’ فليس عليك أن تنظر للمستقبل وإنما عليك أن تنظر إلي الماضي وعندها ستري ثمة نظام ما في حياتك .
أثارت تلك العبارة ذهني إلي أقصي درجة .... هل لو نظرت فعلا إلي سنوات حياتي الماضية سأجدها منظمة بتلك الدرجة التي لا يقدر عليها إلا تدبير إلهي ؟
إنني لا أتكلم عن القدر أو النصيب ولكن أتكلم عن علاقتي بمشاهد حياتي المختلفة من مواقف وعلاقات تمر علي مثلما تمر علي الكثيرين دون التوقف عندها ودون النظر لمدي تنظيمها من عدمه ’ فهل يجب أن أكون في مثل سن هذا العجوز لكي أشرع في الأهتمام بنظام حياتي؟
لو وصلت لهذه المرحلة العمرية ( دا لو كان لينا عمر يعني ) أعتقد أن أخر شيء من الممكن أن أسعي لكي أمتلكة هو قدرة كقدرة هذا العجوز علي مواجهة نفسي ببعض الحقائق التي من شأنها أن تؤدي إلي أكتشافي أنني عشت حياتي كلها وأنا لا أتمتع بذلك النظام الإلهي ’ أعرف أنني سعيد بالفوضي التي تسيطر علي حياتي ولن أحاول أن أقضي عليها ولكني لا أستطيع أن أنفي متعة هذا النظام الألهي ( دا لو انتبهت وخدت بالي منه ) ’ لن أستطيع أن أنفي متعة أن أقابل أشخاص وتمر علي مواقف دون تدخل مني وأجد أنها تسير بدقة متناهية - لا يقدر الواحد منا أن يسيطر عليها - طبقا لدور كل فرد منهم في الحياة ’ وتنعكس تلك العلاقات والمواقف بدورها علي أشخاص أخرين لتؤثر عليهم وعلي تصرفاتهم ’ كل هذه أشياء أعتقد أنني لو أدركتها فسوف أدرك متعة جديدة لم أشعر بها من قبل ’ متعة أن تكون حياة وتصرفات أشخاص أخرين تتأثر بحياتي وتصرفاتي الشخصية ’ والعكس بالنسبة لي فتصرفات الأخرين سوف تؤثر بشكل أو بأخر علي حياتي .
طبعا لي الحق أن أقبل ذلك التأثير الناتج عن الأخرين في حياتي أو لا أقبلة كما أن هذا من حقهم أيضا ولكن لا أستطيع أن أنفي وجودة ’ أما لو كان هذا التأثير المتبادل مقبول من جانبي ومن الجانب الأخر أعتقد أن تلك ستكون الحياة التي حلمت بها وتمنيتها دائما .أنتهت عجلة الأفكار عند الوصول إلي هذا الحد من الكلام وأنا أنوي أن أنظر للماضي كما قالت أوراق العجوز وأقرر أنني عند أول لمحة لهذا النظام الإلهي أن أقوم بالقفش فية لكي لا أفقده أبدا .



ضربة شمس ( جريدة الدستور ) 7/5/2008

الأحد، 4 مايو، 2008

لحظات مقدسة


تمر علينا جميعا لحظات تكاد لا تتعدي مدتها الثانية الواحدة إلا أنها تكون لحظات مقدسة لنا جميعا ’ تلك اللحظات التي تريد أن يتوقف الزمن عندها إلي مالا نهاية ’ لحظات نشوة صادقة يغمرك فيها شعور لا تستطيع أن توصفه بكلمة سعادة ’ وإن فعلت فقد ظلمته .
وليس الغريب أنها نادرة الحدوث وإنما الغريب فعلا أنها تحدث بلا مبرر ’ فلا أعرف متي ولا كيف ولكني دائما ما أضبط نفسي فجأة وأنا متورط في هذا .
كم مرة تمنيت لو أنني أمتلك جهاز له القدرة علي إيقاف الزمن لكي أتمتع بهذه اللحظات لفترة ’ ولكني تمنيت هذا- أكثر من أي وقت مضي - في ذلك اليوم وأثناء عودتي من العمل .
حيث إنني تمكنت من إقتناص لحظات قليلة جدا لكي أنفصل عن العالم وأتوحد مع ذاتي وأغفو قليلا ’ أستيقظت من غفوتي تلك في نهاية الطريق وقد خلا الميكروباص من معظم الركاب ’ وكان السبب في إيقاظي أصابع رقيقة جدا تهز كتفي برفق أنتبهت لأجدها بوجهها الملائكي وعينيها الزرقاء الصافية وشعرت بوخز خفيف مكان أظافرها علي كتفي كبصمة أنثاوية خفيفة ’ نظرت إليها لتقول لي أننا وصلنا وأن علي الأستيقاظ ’ شعرت لثانية واحدة أنني أريدها أن تكون بجانبي في كل مرة أستيقظ فيها من نومي لكي تتكرر هذه اللحظة كثيرا ووجدت نفسي اشعر بأن هذا هو الوقت المناسب لإيقاف الزمن .
إلي جانب جملتها الواحدة كان هناك كلام منطلق من بحر أزرق واسع هو عينيها ينبهني أن علي أن اضغط الأن علي زر الجهاز لكي أوقف الزمن لكي أتمتع ولو قليلا ’ كما شعرت أنها أيضا تبذل كل جهدها وتتوسل إلي وهي تقول أوقف الزمن الأن .. نعم شعرت بها تريد إيقاف لحظتنا هذه ’ تريد ان تتمتع بها معي ’ ولكن بدون أن تتحمل مسؤلية إيقاف الزمن ’ بإعتبار أن تلك المهمة مهمتي أنا ( لا أعلم لماذا ) ... مرت تلك الثانية وأنا ابحث عن الجهاز بين متعلقاتي لعل وعسي أجده في هذا المكان الميت دائما في جيبي ولكني لم اجده وفرت اللحظه الحالمة من بين يدينا وتركتني وذهبت .أرتديت نظارتي الشمسية وتحركت كان الميكروباص في ذلك الوقت قد خلا تماما من الركاب ...ونظر لي السائق نظرة ذات معني وقال حمد الله علي السلامة ..ارتبكت بعدما تيقنت أنه لاحظ فشلنا في الفوز بالمعركة الزمنية همهمت بكلام ليس له معني ونزلت مسرعا لكي الحق بها فلم أجدها في إنتظاري أو علي مقربة مني وأنا كنت متوقع العكس تماما بحثت عنها يمينا ويسارا وعندها تاكدت تماما أنها أخدت معها تلك الثانية المقدسة ورحلت إلي الأبد رحلت أنا أيضا وأنا واثق أنني سوف أمر مرة أخري بمعارك زمنية وسوف أهزم فيها دائما .



ضربة شمس ( جريدة الدستور ) 30/4/2008

السبت، 3 مايو، 2008

طفل صغير وماسورة


كنت أركب بجوار صديق لي في سيارتة ندور في شوارع القاهره بدون طريق أو مكان محدد وهذا شيء ليس بغريب إذ أننا دائما ما نفعل أشياء مثل هذه ’ إقترح علي هذا الصديق العزيز أن نتوجه الي أحد المطاعم المعروفة بمنطقة المهندسين لأن نداء البطون قد حان لم أفكر كثيرا لأنه كان يمتلك قدرات عجيبة و إغراءات رهيبة تجعلك تتمني تلك اللحظه التي سوف تشعر بسخونة الطعام بين يديك .
نزل هو لشراء الطعام ’ أما أنا أخذت أمارس إحدي أفضل الهوايات لدي ألا وهي متابعة وشوش وتصرفات خلق الله ’ وقعت عيني عليه.. طفل في حوالي التاسعة أو العاشرة من عمره ( من أطفال الشوارع ) يرتدي ملابس لا تدري كنهها أو إذا أردت الدقه هي بقايا ملابس .
يمارس هو الأخر شيئا.. تراه من ملامح وجهه عزيز جدا عليه ’ فقد كان يلهو مع ماسورة من الحديد الخشن القاسي تنام علي جانبها بجوار الرصيف ’ يقف فوقها ويحاول بأقصي جهد له أن يجعلها تتحرك لتدور وهو يتراقص عليها ’ وترتسم علي فمه ضحكة واسعة وكأنه يحي بها جماهير خياله الجامح ’ يستمر في متابعة عمله بإصرار طفل صغير.. إلا أن يستيقظ علي وقوعه من فوقها علي الأرض ’ يقوم مرة أخري ليكرر محاولاته لإسعاد الجماهير وينجح لعدة ثوان قليلة ثم يسقط من جديد فيعيد الكره مرات ومرات بلا توقف .
بدون شعور وجدتني أخرج تليفوني لكي أصور هذا الطفل وما يفعله وما إن شرعت في عمل هذا حتي وقعت عينه علي تلك الكاميرا التي تتابعه وأصابه ذعر حقيقي غير مبرر منها ’ وانطلق جاريا نحوي ’ وصوته يعلو ليقول لي من بين دموعه : إنت بتصورني ليه إنت هتقبض عليا إنت هتوديني السجن والنبي بلاش ’ ولم أتمكن من إستيعاب ما يجري حين إلتف حول السيارة مجموعة من أصدقائه يرددون أشياء تؤيد كلام زميلهم في الكفاح ’ ضاع صوتي وسط هياجهم وأنا أحاول معالجة خوف الطفل وتهدئة أصدقائه دون أن أنزل من السيارة ولكن بلا فائدة لأنهم كانوا يتعمدون فعل ذلك ليمكنوا زميلهم من الهروب .
إنتهي صديقي من إحضار الطعام ’ ثم أنتبه لما يحدث فجاء يجري ليري ما يحدث وهو يتحدث أيضا بذعر ( أعتقد انه كان ذعر خوفا علي السيارة ) لم أستطيع ان أتبين ما يقول هو الأخر ’ لأني كنت أري مايحدث وكأنه فيلم صامت والجميع يقومون بأدوارهم وأنا المتفرج الوحيد .
ثم نجح صديقي أخيرا في أن يضع نهاية لما يحدث ورأيتهم يتفرقون جميعا بسرعة وركب مرة اخري السيارة وسبهم سبة بذيئه وهو يبتسم لي .فنظرت له وبداخلي شعور واحد فقط هذا الشعور هو أنني ولأول مرة ومنذ معرفتي لهذا الصديق أفقد شهيتي للأكل .


ضربة شمس (جريدة الدستور ) 23/4/2008