الاثنين، 25 مايو، 2009

مابين الحين والحين


أخرج من الشقة التي أقطن بها مرتدياً قميصي الكتان المفضل وبنطلون واسع إلي حد ما وأنا لا أعلم وجهتي إلي أين ، أحرص علي إستخدام السلم إلي أسفل حيث أن شقتي تقع في الطابق الثاني ، في أخر درجات السلم أكتشف أنني قد نسيت إرتداء ساعتي فتصيبني الحيرة بين العودة لإحضارها أم لا .. فينتصر الكسل فالساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل وكل الساعات بعد ذلك سواء .. أكمل طريقي عبر الردهة المكشوفة إلي الباب المعندي المشغول بعناية فائقة أتأمل التفاصيل الصغير بين ثنايا الحديد الخشن المدهون باللونين الأسود والأصفر وأسال نفسي لماذا كل هذه الضجة في صنع الباب فهو يؤدي الي ردهة مكشوفة من السهل علي أي شخص الدخول إليها فقط عليه أن يتسلق الباب ولن يستغرق الأمر ثوان ويكون في الداخل يمرح كيف يشاء في أرجاء المبني ولكني لا أتوقف كثيراً عند هذا فمنذ حوالي خمس سنوات - وهي فترة إنتقالي إلي هذا المنزل - ولم يحدث أن حاول أحد أن يتسلل إلي الداخل ، كما أن هناك صوت ينطلق من داخلي يذكرني بأن تلك ليست مشكلتي فأنا إلي الأن لم أستقر علي مكان أذهب إلية .

يقع المنزل في شارع صغير جدا ً يأخذ شكل نصف الدائرة لأن ما يفصلة عن الشارع الكبير ميدان صغير مليء بالأشجار التي تكون في كثير من الأحيان غير منظمة ومُهملة ، بمجرد خروجي من خلف هذا الميدان وقبل وصولي إلي الطريق كنت قد حددت وجهتي بشكل مبدئي .. سوف أخذ جولة حول المنزل من بداية الشارع الكبير إلي نهايته ثم الدوران من أخره والعودة من الشارع الرئيسي المواز له لعل وعسي أن تظهر دروب جديدة أو بشر جدد قادرين علي إنتشالي من حالة الغرق النفسي - إن جاز التعبير - التي أمر بها تلك الحالة التي أشعر معها وكأن هناك من يدفع برأسي داخل دلو مليء بالمياه ويضغط عليها ليمنعني من التنفس فأشعر بطعم المياه يتدفق داخل فمي إلي جانب فقدان السيطرة علي أطرافي بشكل كبير فيداي تفعل ماتشاء كما تتحكم قدماي في طريقي ولكن أسعي بكل جهدي إلي المحافظة علي عينياي وعقلي بكامل قواهما لكي يساعداني في محاولاتي الدائمة واللحوحة لكي أزاول مهنتي التي أجيدها تماماً وهي التمعن في وجوه وملامح البشر ومحاولة النفاذ إلي داخلهم مع انني لا أعرفهم ولا يعرفوني .

أمر بجوار قطعة أرض مزروعة ومحاطة بسور صغير يقيم فيها بشكل شبة دائم مجموعة من تجار المخدرات لا يتعدي عمر أكبرهم الخامسة والعشرين كما أخبرني سائق التاكسي من قبل عندما حذرني من التعامل معهم ( بإعتبار أن بيع وشراء المخدرات أصبح شيء طبيعي ) لأنهم شباب خطرين يسمونهم الغرباوية لأنهم أغراب عن المنطقة ... أجدهم منتشرين في أنحاء المنطقة وتتوافد عليهم مجموعات من الناس مختلفي الأعمار لكي يقضو حاجتهم في ثوان بسيطة وينتهي الأمر .
أتابعهم بنظري وأنا في طريقي للخروج إلي الشارع الرئيسي ، وبمجرد خروجي أجدهم ينتظرون .... مجموعة من العائلات نساء ورجال في أعمار مختلفة ولكن الشيء الملفت للنظر هو عدد الأطفال الكبير الذي لا تستطيع معه أن تفرق بينم وبين الحقائب التي تلتف حولهم حركتهم سريعة ومرحة يتابعهم باقي العائلة مع عدد من التعليمات التي يتخللها بعض الصياح يمينا ويساراً لينبه بعدم عبور الطريق مما يجعل هذا الصياح يشكل الموسيقي التصويرية للمشهد ... أنتظر قليلاً بجوارهم فتأتي حافلة سياحية لتقلهم يجمعون حقائبهم وأطفالهم ويركبونها ويرحلون .

أتحرك أنا بدوري وأكمل طريقي وبعد أقل من دقيقتين يشد اذني صوت مرتفع نسبياً فأنظر تجاه الصوت فأجدها فتاة صغيرة في حوالي الثامنة من عمرها تنظر من شباك بيتها وتمسك مسدس صغير وتوجهه ناحيتي وتطلق أصوات من فمها في محاولة منها لمحاكاة صوت الرصاصة ، أبتسم لها ولكن يروادني هاجس يجعلني أسرع في خطواتي وأنا أتحسس مناطق متفرقة من جسدي وأنظر ليدي وكأني سوف أجدها ملوثة بالدماء فيغلبني الضحك وأنطلق مسرعاً قبل أن تراني .

لم تمر دقائق كثيرة علي عبوري بيت القاتلة الصغيرة إلا وكان رنين هاتفي المحمول يقطع افكاري .. اخرجة بملل فأجد الشاشة تضيء باسم صديق مقرب لدي ، أجيبة وبعد الكثير من الاسئلة المعروفة عن الصحة وخلافة والتي تمهد الطريق لفتح موضوع معين مما يجعلني أكرهها كثيراً حيث أنها لا تضيف جديد ونظل نكررها بإستمرار .. يخبرني عن رحلة بصحبة بعض الأصدقاء متجهة إلي شرم الشيخ ويلح بإصرار علي ضرورة وجودي معهم ، ولكن هناك أسباب عديدة تجعل من سفر مثل هذا شيء مستحيل مع انني في أمس الحاجة له ولكن ما باليد حيلة فأنا أعلم صعوبة الأمر، فأحاول التملص ويضايقني اصرارة علي الذهاب معهم ويعدد لي من مزايا الرحلة وكأني لا أعرفها ولا يتركني أنهي الأتصال إلا بوعد مني بالتفكير في الأمر وأنه سوف يتصل بي مرة أخري لعلي اغير من قراري.

أنهكني التفكير وقررت تغيير مساري وأتخذت قرار بالعودة للمنزل فوراً وأنا أشعر بالاعياء يتملك مني نتيجة للتخبط الذي أشعر به ، كما سيطر علي إحساس غامض صعقت عندما وجدت نفسي متورطاً فيه والغريب أنه غير قابل للتصنيف هل هو حزن أم حسد .. لا أعرف ... حيرة ؟ غالباً .. ولكني لا أثق في ذلك .... ومامعني الثقة أيضاً ... شفقة قد يستحقها البعض والرثاء للبعض الأخر ، أبتلعت كل هذا وجمعت أكبر قدر من الأفكار والأسئلة التي تمكنت من حملها في نفسي ورحلت عن الطريق القاسي صاعداً إلي منزلي متوجهاً بأقصي سرعة إلي غرفتي لعلي أجد فيها ما يساعدني علي التخلص من معاناتي أو علي الأقل مشاركتي في جزء منها .

الأربعاء، 6 مايو، 2009

بلوتوث


ركبت بجوار الشباك كعادتي دائماً وإنتظرت إقلاع الأتوبيس المتجه إلي وسط البلد، تعمدت أن ارفع صوت الأم بي ثري لعل صوت منير يكون بديلاً جيداً عن الضوضاء الشديدة التي أشعر بها من حولي وأخذت اتابع ببصري حركة الحياة التي تبدو صامته من حولي وكأن هناك من قام بإغلاق الصوت واستبدله بصوت منير وهو ينادي علي الغريب ليخبره بعدة أشياء.
لمحتهم فجأة شاب وفتاة في أوائل العشرينات تظهر عليهما ملامح البساطة، يتكلمان بإنفعال يتخلله الكثير من الاشارات التي تظهر نوع من الأختلاف بينهم، خفضت صوت الأم بي ثري في محاولة مني لإكتشاف ما يحدث فوجدتهم يتحدثون بحدة شديدة ولم أتمكن من سماع أي شيء من حديثهم، وفجأة تطورت الأحداث وترك الولد الفتاة بجوار الأتوبيس وصعد بمفرده وجلس علي أخر كرسي في العربة.
منعتها علامات الذهول المرسومة علي وجهها من الحركة وظلت هكذا لفترة قبل أن تصعد هي الأخري وتنظر نظرة سريعة علي الأتوبيس كله قبل أن تستقر في كرسي بعيد عن الولد وهي تحاول أن تبعد نظرها عنه.
بدأ الاتوبيس في التحرك ومع حركته قمت برفع صوت الأم بي ثري مرة أخري مما ادي الي سكون صوت الحياة من حولي مرة اخري، فقمت بإخراج تليفوني وفتحت البلوتوث الخاص بي وضغط علي سيرش حيث انني كنت احرص في الفترة الأخيرة علي مزاولة إحدي العادات السيئة المتعلقة بالبلوتوث .. اقوم بالبحث عن التليفونات التي يكون البلوتوث بها مفتوح واحاول معرفة اصحابها من الركاب المحيطين بي، وكثيراً ما كانت بعض تلك الأسامي تثير ضحكي والبعض الأخر يدعوا للتأمل مما كان يدفعني إلي اقتباس بعضاً من تلك الأسماء والاحتفاظ بها في مفكرة صغير.
كنت اشعر احياناً بأنني أعلم من هو صاحب هذا البلوتوث او صاحبته فدائماً ما كنت أجد شبها بين بعض الأسماء وبعض الملامح المحيطة ولكن في تلك المرة ظهر أمامي عدد كبير من الأسماء وكنت أبحث بينهم وكأني أبحث عن أسماء معينة .. اسماء لها ملامح الولد والبنت الذين افترقوا لتوهم .. ولكني فشلت .. فطفت بنظري بين الركاب محاولاً الربط بين بعض الأسامي وبعض الأشخاص ولكني فشلت مرة أخري وعندما إزدحم الأتوبيس منعني ذلك من التطفل علي ملامح الركاب فأغلقت البلوتوث.
انشغلت مع الأم بي ثري ونسيت التليفون ولكن قبل الوصول إلي أخر محطة من محطات الأتوبيس كان عدد الركاب في الأتوبيس قد أصبح قليلاً جداً مما شجعني علي فتح البلوتوث مرة أخري وإعادة الضغط علي السيرش وعندها اضائت شاشة الموبايل بإسمين مكتوبان بالعربي شعرت إنهم مألوفين للغاية ..
بحبك يا علي.
والأخر .. بحبك يا إيمان.
إختلست النظر لهم فوجدت الولد ينظر إلي الشارع نظرة خاوية من أي تعبير والبنت تحاول أن تظهر عدم إكتراثها بالولد .. ضبط نفسي وانا اتابع تصرفاتهم وأبتسم بسعادة غريبة وكأن أسماء البلوتوث الخاصة بهم تخبرني إنهم يعلمون أخر تلك المسرحية.إنتبهت اننا وصلنا إلي المحطة الأخيرة ومما زادني سعادة انني عندما نزلت وجدت الفتاة في إنتظار الولد بجوار الأتوبيس وعلي وجهها إبتسامة جميلة متشبعة بالخجل مما جعله يبتسم هو الأخر.. تركتهم خلفي ومضيت وعندما إستدارت وجدتهم يجلسون في إحدي الأماكن المخصصة للأنتظار داخل المحطة فتابعت طريقي إلي أن جائت رسالة إلي هاتفي وعندما فتحتها وجدتني قد إستقبلت فيرس من إحدي الهواتف المحيطة.