الخميس، 31 يوليو، 2008

العم ماركيز شكراً



أكثر من عشر مرات كل عام هو العدد الذي كنت أنوي فية الشروع في قراءة رائعة - الكبير دائما - ماركيز " مائة عام من العزلة " ’ أخرج الرواية بنسختها القديمة أفتحها وبمجرد قراية صفحة أو أثنين تحدث أشياء من شأنها حرماني من القراءة لأفقد حماسي لإنهائها وخصوصا أنها رواية متعبة ذهنيا .
أما هذه المرة فقد علمت أنني سوف أقضي عليها أو تقضي علي ليس لأنني عزمت ذلك ولكني أعتقد أنها قررت هي الأخري عدم تكرار ما كان يحدث وأن هذا الصراع هو نوع من العقاب من جانبها لأنني أجلتها كل هذا الوقت .
كنت أحاول أن تكون معي أطول وقت ممكن لكي تظل أحداثها في رأسي فأصل لقمة النشوة كنتيجة طبيعية مع إنتهاء كل فصل منها ’ تخطفني بعض اللمحات ’ أري أشخاص تولد وتمر بمراحل عمرها كاملة أمام عيني تأكل وتنام وتصحو وتعمل وتضاجع يمارسون حياتهم اليومية التي أصبحت أراها جيداً .
قصة حضارة شعب كامل أو هكذا رأيتها ’ من قرية صغيرة تدعي " ماكوندو " أنشئها كبير العائلة خوزيه أركاديو بوينديا وزوجته التي تجمع حكمة الدهر كله أورسولا ’ لا يوجد بها غير أهلها ليس بها مقبرة ’ يخرج منها ثوار وغجر وتتطور الحياه فيها فتبني كنيسة ويأتي عمدة وعسكر ثم تبدأ المشاريع بمختلف أنواعها الفردية والجماعية في الظهور ويعرف البريد طريقها ويدخلها القطار ويحل عليها ضيوفاً فيهم من يستمر بها ومن يرحل ’ تصل إلي ذروة النجاح وقمة مجدها ولكن تفقد المتعة التي ولدت عليها’ ثم تبدأ شعلتها في الأختفاء تدريجيا ينساها الزمن نفسه ’ لتتحول من بيوت مزينه لونها أبيض مليئة بالعصافير والطيور التي قال عنها الغجر أنها السبب الذي جعلهم يعلمون بوجودها لأنهم كانو يسمعون غنائها إلي خراب كاملة وبيوت هجرها أصحابها ومنها ما تهدم تماما ’ حتي يجيء وقت يكون أهل ماكوندو فقدو علاقتهم بالزمن الفائت تماما ويصبح الثوار بقيادة العقيد أوريليانو بوينديا أسطورة غير مؤكدة مجرد أشباح باقية في خيال البعض بعدما خاض هو وأصدقائه أكثر من ثلاثين حرباً خارج البلاد ’ تجد فرد أو أثنين علي الأكثر يعلمون تاريخها ولكن الجزء الأعظم منه قد محي تماما ’ إلي أن يأتي الأعصار ليأخد أوريليانو الأخير طبقا للنبوئه المدونة في رقائق الغجري ملكيادس وتنتهي ماكوندو .
تنتهي علي الورق ولكن لا تختفي من داخلي ’ سيطرت علي أفكار عديدة ’ أهل القرية تحولو إلي زوار دائمين في أحلامي ’ لا أعرف من المنتصر في معركتي مع الرواية هل أنا لأني أنهيتها أم هي لأنها - ولا أخجل من هذا - تمكنت مني وهل صحيح أن أسميها معركة من الأساس أم لا ’ تركت هذه الروايه جرحاً غائراً في ولكني متأكد أن هذا مكسب شخصي كبير لذلك دعني ألقي عليك تحية المساء ... أيها العم ماركيز ......... شكراً

الثلاثاء، 22 يوليو، 2008

وماهي الحياة إلا تلفزيون كبير


تنتهي فترة الدراسة ويكون داخل كل فرد منا بعض الرغبات والأحلام التي يتمني ولو تحقيق جزء ضئيل جداً منها وطبعاً في معظم الأحيان تكون تلك الأحلام تغيرت أكثر من مرة وتكون الدوافع الحقيقية هنا هي دخول كلية غير مناسبة مثلاً ( أو مناسبة حتي مش هتفرق كتير ) وطوال الوقت تسعي لإستكمال الجزء الناقص من طموحاتك .
ولكن يجب أن تعلم أن عليك الأستعداد لتواجه عقبات وعراقيل تعترض طريقك بشكل مستمر ’ تسمع هذا الكلام يومياً من أهلك وأصدقائك المقربين ولكن يظل الأحتكاك الحقيقي يحتوي علي فروق جوهرية ... ليس معني هذا أن الوضع يكون سيئاً باستمرار وعلي طول الخط ولا يكون وردياً وجميلاً ولكنه دائماً يحتوي علي إختلاف ما عما يكون متوقعاً .
فأنت في فترة الدراسة يكون وضعك كالتالي ... تجلس أمام التليفاز تشاهد حياة كثير من البشر يعملون ويفرحون ويُحبطون ينجحون ويفشلون ’ تري ذلك بوضوح شديد ويكون الأكثر وضوحاً هو أقتناعك بأنك سوف تتغلب علي هذا كله ( مع أن الحقيقة غير ذلك ) .. لأنه ببساطة بمجرد إنتهاء الدراسة فأنت تنهض من جلستك وتذهب إلي غرفة نومك وتعمل علي إختيار أفخر ثيابك لترتديها وترجع مرة أخري للتلفاز وتغلقة ثم تفتح باب بيتك وتنزل إلي الشارع لتقوم بالركض مع خلق الله للسعي المستمر وراء إستكمال الجزء الناقص من طوحاتك .
ولكن دعني أسأل ما هي اللحظة الفاصلة التي تتحكم في كل هذا ؟ ( طبعاً غير لحظة التدخل السماوية ) أعتقد أن تلك اللحظة ليست خطوة إغلاق التلفاز ولكنها لحظه سابقة لهذا بكثير نغفل عنها جميعاً هي تلك المرحلة المتعلقة بإختيار الملابس وتجهيزها لكي تكون مناسبة للركض مع جحافل الشعب ’ فكل الملابس لن تكون متوافقة مع كل المواقف - وهذا شيء بديهي جداً - فمن المنطقي أن تستعد بكل الملابس التي تراها مناسبة ومتوافقة مع أحلامك وطموحاتك بل لن أبالغ لو قلت أجعل جيوبها مخازن تحمل بداخلها كل ما تعتقد أنك سوف تحتاجه حتي لو علي المدي الطويل لأن الرجوع للخلف لإحضار شيء قد نسيته سوف يكون مكلفاً جداً .
طبعا هذا لا ينفي إحتمال وجود مساعدات خارجية قد تصادفها في طريقك وأنت تركض ولكن تصرف بحكمة وبتروي في هذه المساعدات لأنها تظهر فجأة وتختفي كما ظهرت فلك أن تتخيل مدي الندم علي أهدار فرصة كانت كفيلة بتغيير حياتك ليس بالضرورة للأحسن ولكن بافتراض حسن النيه سوف نقول أن الفرص الضائعة هي بإستمرار خسارة يجب أن نسعي إلي تجنبها بشتي الطرق الممكنة .
إذن قبل إغلاق التلفاز تأكد من أن معدات وملابس الركض جاهزة ’ ولا تقم بتلك الخطوة إلا وأنت علي يقين من أنك درست كل الأحتمالات المتوقعة لكي لا تندم علي إهدار فرصة أو الأقدام علي خطوة قد تكون غير ضرورية وتكون عواقبها غير مرضية لك peace ...



ضربة شمس ( جريدة الدستور 16/7/2008 )

الثلاثاء، 15 يوليو، 2008

هي الحياة تستاهل ؟!

إبن الأنسان ( الفنان البلجيكي رينيه فرانسوا )

ياعم الحياة متستاهلش متعملش في نفسك كدا .. هكذا يكون التعليق دائما إذا ما لاحظ أحد الأصدقاء الحالة التي أكون متورط فيها أحياناً وهي الصمت وعدم الرغبة في الكلام ’ طبعاً غالبا ًما يكون لي أسبابي وبغض النظر عن درجة أهمية هذه الأسباب من عدمها فهي بالنسبة لي كافية جداً لكي أكون في تلك الحالة .
تستفزني جداً تلك الجملة وتكون إجابتي .. لأ الحياة تستاهل أكتر من كدا كمان لسبب بسيط جداً ألا وهو أن الحياة مبتستناش حد .. نعم هي حياة واحدة تكون في بدايتها كالصفحة البيضاء كل شخص يخط فيها ما يريد فالتصرفات هي الحروف والأفعال هي الجمل التي يقوم كل شخص منا بكتابتها في صفحتة ’ صحيح أن هناك عوارض قد تغير من الخطط التي ننوي تنفيذها ولكن نظل نحن وحدنا المتحملين لمسؤلية أي كلمة أو عبارة نخطها في ورقاتنا .
فكثيراً ما نقابل أشخاص ونؤمن بهم أو هكذا نعتقد ونتبعهم ونأخذهم شيوخاً لنا ولكن بعد المشي علي دربهم نجد أننا قد ملئنا جزء من صفحة حياتنا - التي لم تعد بيضاء كما كانت - بوجهات نظر مضللة لا تمت لنا بصلة نتمني لو نعود ونتخلص منها ومنهم نهائياً ’ ولكن - وللأسف - فهذه الجمل والعبارات تكون محفورة وبارزة في الورقه فلا نستطيع التخلص منها ولا نستطيع الرجوع لتغيريها وياليتها كتبت بالقلم الرصاص ففي تلك الحالة فقط قد نستطيع محوها .
يصير الكلام أكثر جدية إذا أقتنع كل منا بأن تلك الورقة ملك له ... وبما أنك تتحمل مسؤلية المواقف المترتبة علي الكتابة في ورقتك الخاصة فيجب أن تعرف أن المرجعية الأساسية لتلك المسؤليه هي حريتك في إختيار ما يُكتب ... هنا فقط يكون تحملك لتلك النتائج منطقي ولا تستطيع أن تلوم الا نفسك علي ما حدث وما ترتب من نتائج .
فكيف ينظر اليك شخص لإستغراقك في أمر من أمور حياتك مهما كان ويقول لك بكل بساطة ياعم الحياة متستاهلش كدا .. أعتنق هذا الشخص أي منطق وأي وجهة نظر لكي يقول هذا والغريب أنه يريدك أن تنساق وراء هذا الكلام وتتحول بقدرة كلامة إلي النقيض تماماً وتبتسم وتنسجم معه في أي كلام أخر ... فإذا تشبثت بحقك في تحري الدقة في خطواط حياتك أصبحت في وجهة نظره شخص مليء بالعقد والمشاكل ولن يكف عن مواجهتك بذلك .لكل ذلك أعلم جيداً أن الأشخاص من هذا النوع ليسو حقيقيين وأعلم أيضاً أنهم يعرفون جيداً أن طريقتك في التخطيط لحياتك هي الصحيحة ولكن لأنهم يعجزون عن تحقيق ذلك فدائماً ما يحاولون دفعك لكي تهوي الي بئر التردد والتخبط والضياع وإذا نجحوا في ذلك .. عندها فقط ستعلم أنك قد قمت بكتابة أخر سطر في صفحة حياتك ودون أن تدرك أن هذه هي النهاية .




ضربة شمس ( جريدة الدستور 9/7/2008 )

الأحد، 6 يوليو، 2008

وقائع تحول فرشة جرايد مختلفة الي فرشة تقليدية


منذ عدة سنوات وأنا أتولي مسئولية إحضار الجرائد اليومية وأنا في طريقي إلي المنزل لأنني أشتريها ليلاً حتي بعد أن أصبحت هناك فرشة جرائد علي ناصية الشارع الذي أسكن به ’ كما أنه لا يوجد واحد من البائعين أشتري منه بشكل مستمر ولكن دائما أشعر بالراحة وأنا أتنقل بينهم ومع ذلك فكلهم يعرفوني ويشعروني بالأهتمام بشخصي ومنهم من يحاول أن يستدرجني لحوارات جانبية غالباً ما أسعي للتملص منها .
كانت تلك الفرشة علي ناصية الشارع مختلفة تماماً عن الباقيين .. فلا أستدرج لحوارات ولا أشعر أنني ذو أهمية علي الأطلاق فقط أطلب ما أريده من جرائد فأحصل عليه وينتهي الموقف في ثواني قليلة ’ يقوم بالعمل عليها فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الرابعة عشر تجلس بجسدها النحيل علي حافة الرصيف في فستان يغطي معظم جسدها وعينين ناعستين يساعدها أخوها الأصغر سناً (لازم يكون أخوها هيكون مين يعني ) تشعر من تصرفاته أنه هو رب العمل ’ يلفت نظري أنهم يمارسون العمل بمفردهم ونادراً ما أجد رجلاً - أعتقد أنه والدهم – موجود يباشر العمل كنت أتعجب من أنه يتركهم بمفردهم يومياً إلي أن عرفت أسبابه حين رأيته يوزع الجرائد ذات مرة بالقرب من منطقة بها بعض المقاهي .
كنت أتعامل معهم بنفس المنطق الذي أتعامل به مع البائعين الأخرين أذهب لأشتري منهم مرة كل فترة .. إلي أن جاء اليوم الذي وجدت فيه الولد نائماً والبنت غير موجودة وبذلت عدة محاولات لإيقاظه وفشلت فهممت بالرحيل وأنا في قمة غضبي حيث أنني لن أمر علي أي بائع غيره في المسافة الفاصلة بينه وبين المنزل فوجدت الفتاة تأتي إلي مسرعة وهي تعتذر عن عدم وجودها ’ أخذت ما أريد وأعطيتها النقود فأنحنت إلي كومة من الجرائد لتخرج لي الباقي من بينها ’ لهفتها التي كانت تتحدث بها والتي أدت أيضاً إلي إكتشافي المكان التي تحتفظ فيه بكنزها الصغير جعلتني أقرر أنني لن أتعامل من اليوم مع بائع غيرها حتي لو لم أجدها فلن أشتري الجرائد وسوف يكون مبرري أمام أهلي أن السيارة التي أركبها دخلت من طريق مختصر يمر من أمام المنزل مباشرة فلم أمر علي البائع في طريقي وأن الكسل منعني من الخروج إلي ناصية الشارع والعودة مرة أخري ’ لاحظت أنه لا يمر أسبوع كاملاً دون مرة علي الأقل لا تكون البنت موجودة ولكن ذلك لم يمنعني من الأصرار علي التعامل معها دون أن أبين لها أي شعور بالغضب أو بالشفقة .مع مرور الوقت باتت الفتاة تعرف مواعيدي وأصبحت المرات التي لا أجدها فيها قليلة جداً وتحولت هذه الفرشة إلي فرشة تقليدية مثلها مثل الأخرين نتيجة لبعض التغيرات البسيطه فالفتاة أصبحت تشعرني بالأهتمام بشخصي وتستدرجني إلي حوارات جانبية ... ولكن أنا أيضاً أمتدت إلي بعض هذه التغيرات حيث أنني لم أعد أسعي للتملص من تلك الحوارات .



ضربة شمس ( جريدة الدستور 2/7/2008 )