السبت، 12 سبتمبر، 2009

وما هي الحياة إلا عنبر كبير


تتوقف أحياناً الخلايا الحياتية التي تتكون منها سراديب المخ عن العمل، وتسيطر عليها فكرة واحدة الا وهي مدي قوة وسطوة التناقض علي عالمنا، فقد أري في وقت من الأوقات أنني ومن حولي عبارة عن كم هائل من تلك التناقضات وبعدها بقليل أجد من يخبرني انني أنا السوي المستقيم وأنني بعيد كل البعد عن تلك الحالة، ولكن تلك المرة الموضوع مختلف تماماً فأنا أبحث عن تلك الأسباب التي تجعلنا نري أنفسنا ومن حولنا كماً من التناقضات السخيفة فإذا أردت أن تصحبني في رحلتي فهيا بنا.

لكي اسهل علي نفسي وعليك تلك الرحلة يجب علينا أن نتفق أن الأساس هنا هو الأنسان وبما أنه هو الأساس فكل شيء مباح وكل الاختلافات ممكنة ومسموح بها ولكن في حدود أنك إنسان تعيش في عنبر خاص بك أنت ومن هم مثلك.
********
سوف أقسم البشر المحيطين بي إلي عنابر .. حاشا لله أن أكون أنا من قسمتهم ولكن فطرتهم قامت وتكفلت بذلك
********
عقلاء .. أنفي عنهم بتلك الكلمة أن يكونوا أسوياء تماماً فليس هناك وجود لذلك الأنسان السوي الخالي من الشوائب النفسية ولكن العقلاء هم من تكمن ميزتهم في أنهم يعلمون حقاً بمرضهم النفسي ويتعاملون معه علي هذا الأساس ولا يخجلون من مرضهم فمن من البشر لا يحتوي علي تلك الأمراض النفسية وفي هذا العنبر تجد الكثير من الحكمة .

مشوشون .. أنفي عنهم بتلك الكلمة أن يكونوا عقلاء فالمشوش قد يكون انسان يحتوي علي العديد من الجوانب الإيجابية الجميلة والسلبية التي قد تبدوا أيضاً جميلة في بعض الأحيان ولكن تكمن ميزتهم في أنهم قد يكونوا غير مسئولين عن أفعالهم فهم مشوشين لا يعرفون لماذا هم هنا ولا أين يريدون أن يذهبوا إذا لم يكونوا هنا.

مرضي نفسيون .. أنفي عنهم بتلك الجملة أن يكونوا مشوشين والمريض النفسي هو بالطبع شخص وصل لنهاية الطريق مع نفسه فلا هو أصبح مشوش وعالق في منتصف الطريق ولا هو عاقل له القدرة علي التعامل مع مرضه النفسي بل تصدر عنه أفعال وتصرفات يكون غير مسئول عنها تماماً.

ما فات كانت عنابر رئيسية ولكن بجوار العقلاء والمشوشين والمرضي النفسيين تجد عنابر اخري تحوي بين حوائطها العديد من المشوهين نفسياً وأنصاف البشر إلي جانب بعض الأراجوزات الملونة التي لا تستحي من ألوان وجهها الباهتة والتي قد تجعل لحياة الأخرين نوع من البهجة الصناعية والسرور الزائف.

ولكن بعد كل تلك التصنيفات تتبقي حقيقة واحدة أن أبواب تلك العنابر مفتوحة علي مصراعيها للدخول والخروج ويحدث كثيراً الأختلاط بين عناصر تلك العنابر، هذا الأختلاط قد يكون له أثار عديدة يكون الغالب فيها سيء جداً، عندما يلتقون تجد بعضهم يسخر من الأخر وبعضهم يجرح الأخر وبعضهم يفعل أشياء أسوء من الجرح والألم والسخرية بكثير وهنا يأتي دور "الحكماء" الموجودين في عنبر يحمل إسمهم وهم مجموعة قليلة من البشر لديهم القدرة علي التعامل مع معظم - إن لم يكن كل - تلك العنابر المحيطة بهم .. وهبهم الله قدرة علي الصبر والتحمل والفدائية والجمال تجعلهم قادرين علي الإستمرار في عملهم الدائم الذي يمثل قدرهم ألا وهو الوساطة بين كل عنابر الحياة.

أشعر إنني أرهقت كل من صاحبني في تلك الرحلة ولذلك لم يتبقي لي سوي كلمة أخيرة أقولها وأرحل عائداً إلي عنبرى، يا ايها العاقل والمشوش والمريض والمشوه والأراجوز والحكيم كلكم يلعب دوراً في نفس الفيلم فإحرص دائماً أن تؤدي دورك بأكبر قدر ممكن من الإتقان ولا تخجل من نفسك وإذا شعرت إنك تريد أت تتحول من عنبر إلي أخر فتلك هي قوة وروعة الأداء والثقة بالنفس ولكن عندما تترك عنبرك لكي تذهب إلي عنبر أخر أفعل هذا وأنت مدرك لما أنت مقدم عليه حتي تترك أثرا طيباً في نهاية الفيلم وإبعد قدر المستطاع عن عنبر المجهولين فهو عنبر كئيب جداً سقفه يمنعك من الطيران ولا تدخله شمس الحياة ولا نور الأمل .



اللوحة - سلفادور دالي

الأحد، 30 أغسطس، 2009

تفاصيل ودروب


أحياناً في بعض الجلسات الدافئة مع الأصدقاء يتطرق بنا الحديث عن شيء أو شخص أو حتي فيلم ما فأجد نفسي بشكل تلقائي أتحدث عن تفاصيل هذا الشيء الصغيرة فأتذكر إبتسامة أو إشارة معينة وكثيراً ما يكون هناك العديد من المحاولات لإشراك أحد الأصدقاء في متعة تأمل تلك التفصيلة الصغيرة ولكنها دائماً ما يكون مصيرها الفشل وبالتالي تضيع علي أنا أيضاً تلك المتعة.

ولكن ما يزعجني دائماً هو تلك التعليقات والأراء السخيفة التي يكون من شأنها دائماً هدم متعتك في تأمل تفاصيل الحياة الصغيرة فعندما يلفت نظرك طفلة صغيرة مثلاً تؤدي شيء ما بالقرب من مكان جلوسك ويكون في هذا الشيء تفصيلة قادرة علي رسم إبتسامة ولو علي إستحياء علي وجهك فمن حقهما - الفتاة والتفصيلة - أن تتوقف عندها وتتأملها قليلاً وتعبر عن إعجابك ولو حتي بالصمت لثوان قليلة.

أما التفاصيل الصغيرة التي يجب أن تأخذ حقها في التأمل والنظر إليها كما يجب هي تلك التفاصيل التي يحتويها كتاب الحياة بين صفحاته، فمع كل صفحة وكل شارع وكل حارة في حياتك هناك العديد من التفاصيل الصغيرة جداً التي يجب أن تراها جيداً وتنظر إليها نظرة تتلائم مع دقة صنعها، فالشيء الأكيد أنها صنعت بتلك الدقة والمهارة لكي يكون لها تأثير ما علي المحيطين بها فهي ليست نوع من أنواع العبث أو النزق ولكنها أشياء صنعت بإحكام شديد لكي نتفاعل معها ونتأثر بها ونتحدث عنها ونكتبها ونراها كما تريدنا ان نراها .

والغريب أن تلك التفصيل لا تنتهي ولا تستطيع حصرها فهي موجودة بكثرة طوال الوقت، لذلك إذا كنت تنتظر مني أن أخبرك ما هي التفاصيل التي يجب أن تتوقف عندها فاللأسف الشديد سوف أخذلك فلكل منا حياته ولكل منا عدة دروب مختلفة نصنعها بأنفسنا وأي محاولة مني للتدخل لإيضاح إحدي التفاصيل في طريقك ستكون قلة ذوق وتطفل مني علي حياتك، ولكننا قد نلتقي ذات مرة عند تفصيلة واحدة في زقاق صغير من حياتنا وقد نتحدث كثيراً حولها وبعدها نفترق ليذهب كل منا في طريقه فقد تجعلنا إحداها نسلك طريقاً دون الأخر ولكن الأكيد أنها سوف تزيد من متعة الحياة.

تخيل أنك تتفاعل مع كل الأشياء المحيطة بك من بشر وطرق وأشجار ومباني تُضفي عليها من روحك وتترك بها أثراً كما تترك هي بك علامات، أعتقد أن الله خلقنا لهذا وكذلك أعطانا القدرة علي خلق تلك الأشياء لنفس السبب فقد تكون إحدي تلك التفاصيل تحتوي علي علامة قادرة علي تغيير مسارك لتسلك طريقاً سرياً لا يستطيع أن يدلك عليه سواها.

ولكن أهم ما في الموضوع هو متعة الأهتمام بتلك التفاصيل ومتعة رؤية كل شيء تتعامل معه بمفهوم صحيح، والمتعة الأكبر هي أنك عندما تتجاوز شيء ما تكون تعرف جيداً انك تركت به ما قد يقدمه لغيرك وبذلك عندما أمر علي شيء قد مررت أنت عليه ربما أجد ما يخبرني أنك كنت هنا وسوف يجعلنا هذا نلتقي كثيراً ... والأن إسمح لي فسوف أتركك وأذهب لأتأمل تلك التفصيلة هناك علي ناصية الشارع الموازي لدرب الحياة وقد نلتقي عندها، إلي أن أراك ... .peace


الثلاثاء، 11 أغسطس، 2009

الغربة فينا

by : stefan beutler



من البداية حابب إني أعرف أي حد عينه هتشوف الكلام ده اني بتكلم عن الغربة بس بشكل مختلف شوية .. الغربة بمفهومها البسيط وكلمة بسيط هنا مش مقصود بيها التقليل من شأن هذا الشعور القاتل ولكن المقصود هو الغربة المستمرة الملازمة لينا وبنحس بيها دايما لدرجة إننا بقينا اصحابها وبنشتاق ليها لو بعدت عنا شوية، الغربة الي بتخليك وانت في وسط الناس تحس انك عايز تاخد نفسك وتسافر لذلك العالم المواز الذي يحتوي علي أفكار وأشخاص فيهم شبه منك.

تخيل بقي لما تصاحب الغربة، ولما تتأخر عليك يكون ليها وحشة وبتفتقدها، في الوقت ده بيكون في شعور غريب يسطر علي الواحد منا، شعور قاتم يطرح العديد من الأسئلة التي تؤدي إلي إجابة شبه ثابتة يمكن إختصارها في جملة واحدة "نعم أنا غريب" وذلك بالمناسبة ليس بالشيء السيء فالعالم من حولنا مزيف وغير حقيقي وممتليء بالتابوهات التي من الممكن أن تكون كافية للقضاء على العديد من الأفكار وأعتقد أن الغربة عن العبث وكل تلك الطاقة السلبية هدف في حد ذاته.
ولكن المشكلة هنا تنحصر في عدم تقبل أشخاص عالمنا الذي نعيش فيه لذلك النوع من الغربة بل والأصعب من ذلك هو هذا الكم الهائل من المحاولات المبذولة لإقناعهم بأن تلك الطريقة هي المناسبة لحياتنا والملائمة لافكارنا وأن شعورنا بالغربة عن كل عبث الحياة هو بعيد كل البعد عن التعالي علي الواقع.

ستجدهم يتعاملون معك بنوع من الحرص نظراً لأنهم يرونك غريب ( طبيعي جداً ) وستجد نفسك مضطر إلي سماع تعليقات سخيفة ولكن عليك أن تتعامل مع تلك التعليقات وأنت تبتسم من داخلك فكل لحظة أو حوار تشعر معه بالغربة يحتوي داخله علي مكسب كبير لأنه يؤكد أن ذلك العالم الجامد غير قادر علي استيعاب بعض الأفكار التي لا تملك أن تضر بها أحد وفي هذه الحالة يجب أن تتعامل مع هذه المشكلة بإعتبار إنها لا تخصك فأنت لست طرف فيها لأنه لو تحولت لطرف في الصراع فسوف يضيع الكثير من الوقت في التعامل مع هؤلاء البشر الغير قادرين علي استيعاب الأخر بطريقة أو بأخرى.ولذلك فالسبيل الأمثل للتعامل مع هذا النوع من المشاكل هو التصرف كما تكون أو كما تحب ان تكون بغض النظر عن التعليقات التي ستسمعها وبعد ذلك إذا شعرت بالغربة فلا تندهش ولا تجعلها تابو جديد في حياتك بل أعلم جيداً أن تلك الغربة هي الدافع والطريق لفرض إسلوبك على كل طرق ودهاليز وخبايا حياتك حتي تصل في النهاية إلي صناعة العالم الذي حلمت به طوال الوقت وعندها فقط ستجد كل الأشخاص الذين رفعوا راية العبث علي مركب الحياة يقفزون خارج إطار حياتك وينظرون إلي تلك اللوحة التي صنعتها بكل إعجاب الدنيا، ومن أجل ذلك يا كل غرباء العالم
.... إتحدوا.

الأحد، 26 يوليو، 2009

الحياة لعبة


الحياة لعبة وطبيعي جداً أن تكون اللعبة ممتعة وإلا اختفت منها صفات الألعاب ، تدفعني هذه النظرة إلي الحياة إلي إغلاق جميع الشبابيك المطلة علي الحياة الخارجية وأنغلق علي نفسي في محاولة مني لاكتشاف ما قد يقابلني في المرحلة القادمة من اللعبة وقد أنجح في هذا وقد أفشل ولكن ذلك يكون سلاح ذو حدين ، فشيء مهم جداً أن نقوم بالحساب والتخطيط لحياتنا ولكن الأهم أن لا ندع الفرصة كاملة لكل تلك الحسابات والخطط في إفساد متعة اللعبة .

فهناك حد فاصل بين التخطيط والتدبير لخطواتك القادمة وبين التردد والتخبط ، وللأسف الشديد فهذا الحد الفاصل بينهم إذا تم تجاوزه فهو يؤدي إلي فقدان متعة الحياة في كونها لعبة فهي كأي شيء ممتع يعتمد علي الإثارة والتشويق ونسبة معقولة من المغامرة .. هذا ما شعرت به عندما شاهدت ذلك المشهد العبقري في فيلم " حالة بنجامين " فالمشهد يجسد تدخلات القدر الغير محسوسة وما يترتب عليها من احدث في لعبة الحياة في ثوان قليلة ، المشهد يصاحبه صوت "براد بيت" يحكي أن هناك فتاة تخرج للتسوق في باريس وبعد نزولها من بيتها تتذكر أنها نسيت معطفها فتعود لتأتي به وعندها يرن جرس الهاتف فتتوقف لدقائق للرد عليه وعندما تخرج إلي الشارع تشير إلي سيارة أجرة وبينما سيارة الأجرة تقف تلتفت هي لكي تغلق باب المنزل فيركب شخص أخر مكانها، فتنتظر هي تاكسي أخر، فيكون هناك تاكسي يحتسي سائقه القهوة في مكان قريب ينتهي منها ويتحرك بالسيارة تشاور له الفتاة فيقف فتركب معه .. ويبدأ في التحرك فيكاد يصدم شخص يعبر الطريق مسرعاً لأنه تأخر علي عمله خمس دقائق .. ثم يقف التاكسي أمام محل للهدايا لتشتري الفتاة هدية لصديقها الذي تشاجرت معه أمس ولكنها قررت أن تسامحه ، كل هذا يحدث وحبيبة براد بيت علي الجانب الأخر تقوم بإعداد بروفة أخيرة لرقصتها في أوبرا باريس وعندما تنتهي تقوم لترتدي ملابسها للخروج مع صديقتها ، وبمجرد خروج حبيبته إلي الطريق وهي تؤدي حركة راقصة "بدلع" تعبر سيارة الأجرة التي تقل الفتاة الأولي لتصدمها ويترتب علي ذلك فقدانها للقدرة علي أداء رقصاتها مرة أخري .

وجدت نفسي أتساءل مع صوت براد بيت هل لو لم يتوقف سائق العربة لتناول قهوته كان سيؤدي ذلك إلي نفس النتيجة ؟ والسؤال الأهم هل سيكون في قمة سعادته وهو يقتنص من وقت لعبة الحياة القليل ليشرب قهوته لو علم انه بعد دقائق قليلة سوف يكون السبب في القضاء علي حلم فتاة ترقص بمهارة .. طبعاً الإجابات واضحة تماماً .

وكأنه كان يقول لي أن الحياة أبسط كثيراً مما تبدو عليه ، ولتعلم جيداً أنها تبدو كذلك لأن هذا جزء من اللعبة ، فهي تحاول أن تُظهر لك مدي تعقيدها لكي تبذل أنت مجهوداً أكبر .ولكن بما انه لا يوجد أحد منا يعرف إذا كان شرب كوب من القهوة في قهوة بلدي قبل الذهاب إلي العمل قد يؤدي إلي شيء ما أم أنه سيمر مرور الكرام فهذا يعطينا جميعاً الحق في شرب القهوة في أي مكان سواء كانت قهوة مظبوط أو سادة .

نشرت في صفحة الغواصة ( جريدة الشروق )

الأربعاء، 24 يونيو، 2009

اسكندرية ... دمياط


النهاردة قابلت في الشارع اتنين شباب معرفهمش ولا عمري شفتهم بس هما كانوا شبه بعض جداً مع ان شكلهم مختلف عن بعض خالص، وكانوا بيتكلموا عن واحد تالت مش موجود معاهم ودار بينهم الحوار التالي هحاول أنقله زي ما هو من غير أي تدخل مني ....


الأول : الواد خالد فين بقالي كام يوم مش بشوفه وبرنله وهو مبيعبرنيش متعرفش أي حاجة عنه؟.

الثاني : ياعم خالد شد علي إسكندرية الجو حر هنا والحياة هناك أجمل .

الأول : يا راجل طب والله كويس .. اه ما هو خلص إمتحانات وهيصيع براحته بأه، بس هو سافر إسكندرية ولا دمياط؟؟؟

الثاني : لأ هو سافر دمياط .. بس عادي يعني مش فارقة .

الأول : ايوة صح مش فارقة وكمان الجو هناك أظرف من هنا .

الثاني : بكتيييييييير .


وبعد كده سمعت صوت الصمت مني ومنهم ومن الدنيا كلها وكأني إنفصلت عن العالم كله وفضلت كده لحد ما روحت بيتنا وأنا بقول لنفسي لو حد سألني إنت ساكن فين هقوله في مدينة نصر وبما إنه عارف إني من إمبابة هيسألني مدينة نصر ولا إمبابة هقوله لأ إمبابة بس عادي يعني مش فارقة .

الأربعاء، 10 يونيو، 2009

عندما بكت

By-Stefan Beutler


أسير يومياً أثناء عودتي من العمل من ناصية الشارع وحتي المنزل - بالرغم من انني أستطيع أن أنزل من العربة أمام البيت - ودائماً ما يلفت نظري تصرفات الأشخاص المكلفين بحراسة المنازل لأنهم غالباً ما يكونوا عائلات كاملة ، وكثيراً ما يتفرق أعضاء العائلة الواحدة إلي بعض الأعمال المختلفة فيعمل الرجل في حراسة المنزل ويساعده الصبي الصغير بينما تقوم الأم وبناتها بالعمل في بعض المنازل بشكل منتظم .

وفي أحد الأيام رأيتهم بجواري .. عائلة مكونة من الأم وثلاثة أطفال ، ولدين وبنت ، تحمل الأم الولد الأصغر علي كتفها ويسير بجوارها الأخر الذي يقوم بدحرجة إطار خارجي لعجلة سيارة ، وبالرغم من محاولاته العديدة للحفاظ علي توازنه إلا أنه يتراقص يميناً ويساراً ، وتتقدمهم بقليل البنت التي تحمل في حنيه بالغة شبه أو بقايا عروسة صغيرة ، وكأنه مشهد ثابت لا يتبدل قد تجلس البنت علي أقرب رصيف تداعب عروستها قليلاً ، أو يقف الولد في وسط الطريق ليحاول إصلاح شيء ما في إطاره ولكن سرعان ما تعود القافلة تسير كما كانت .

ولكن فجأة وبدون أي مقدمات إنحرف الولد بشكل غير متعمد وعندما حاول الإعتدال فقد السيطرة علي الإطارمما أدي إلي إصطدامه بالبنت فوقعت وإنفلتت منها العروسة وإستقرت في منتصف الشارع بعيده عن يدها فانتفضت مسرعة لكي تأتي بها قبل أن تدهسها إحدي السيارات وعندما عادت إلي المسيرة قابلها أخيها - ولا أعلم لماذا - بالقفز في الهواء والنزول علي أصابع قدميها العارية ، إستقبلت الفتاة الضربة في ذهول وإنكتمت دموعها لفترة وجيزة قبل أن تتحول ملامح وجهها الطفولية إلي الإنكماش الشديد وتذبل عيناها وتنطلق في في بكاء بصوت مسموع مما جعل الأم تنتبه لما يحدث فما كان منها إلا أن ذهبت إلي البنت ونظرت إليها بإستنكار شديد وصفعتها بظهر يدها علي فمها فوقعت مرة إخري أرضاً وزادت حدة البكاء ولكن هذه المرة مع بعض الكلمات والحركات الغير مفهومة فدفعتها الأم بقدمها بقوة لتحثها علي النهوض سريعاً وسحبتها من يدها والبنت مصرة علي الجلوس أرضاً وتمسك بعروستها وكأنها تستنجد بها .

كل هذا والولد يلعب بالإطار غير عابيء بما يحدث مع حرصه علي الالتفات برأسه إلي الوراء لثانية واحدة بين الحين والأخر ليتابع ما يجري ثم ينطلق بعدها وهو يدفعه أمامه مقلداً أصوات السيارات ومتخيلاً عوائق ومطبات يحاول أن يتلاشي الوقوع بها حتي فاجأه مطب حقيقي مرتفع عن الأرض فلم يتمكن من السيطرة علي الإطار وإندفع قاطعاً الطريق وحاول الولد أن يوقفه فلم يتمكن من ذلك وإندفع خلفه مسرعاً ولم ينتبه إلي تلك السيارة القادمة والتي لم يستطيع سائقها أن يوقفها في تلك المسافة الصغيرة لسرعتها الكبيرة فإنحرف بها يميناً في محاولة منه لإنقاذ الولد الذي وقف في مكانه وكأنه ثبت في الأرض فمرت السيارة بجواره دون أن تصيبه بسوء ولكنه سقط علي الأرض من وقع المفاجأة وما إن رأت البنت ما حدث حتي نظرت إلي أمها الملهوفة ورمت عروستها بعيداً وإنطلقت تجري نحوه وإنحنت بجواره تتفقده وهي تبكي مرة أخري .

الاثنين، 25 مايو، 2009

مابين الحين والحين


أخرج من الشقة التي أقطن بها مرتدياً قميصي الكتان المفضل وبنطلون واسع إلي حد ما وأنا لا أعلم وجهتي إلي أين ، أحرص علي إستخدام السلم إلي أسفل حيث أن شقتي تقع في الطابق الثاني ، في أخر درجات السلم أكتشف أنني قد نسيت إرتداء ساعتي فتصيبني الحيرة بين العودة لإحضارها أم لا .. فينتصر الكسل فالساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل وكل الساعات بعد ذلك سواء .. أكمل طريقي عبر الردهة المكشوفة إلي الباب المعندي المشغول بعناية فائقة أتأمل التفاصيل الصغير بين ثنايا الحديد الخشن المدهون باللونين الأسود والأصفر وأسال نفسي لماذا كل هذه الضجة في صنع الباب فهو يؤدي الي ردهة مكشوفة من السهل علي أي شخص الدخول إليها فقط عليه أن يتسلق الباب ولن يستغرق الأمر ثوان ويكون في الداخل يمرح كيف يشاء في أرجاء المبني ولكني لا أتوقف كثيراً عند هذا فمنذ حوالي خمس سنوات - وهي فترة إنتقالي إلي هذا المنزل - ولم يحدث أن حاول أحد أن يتسلل إلي الداخل ، كما أن هناك صوت ينطلق من داخلي يذكرني بأن تلك ليست مشكلتي فأنا إلي الأن لم أستقر علي مكان أذهب إلية .

يقع المنزل في شارع صغير جدا ً يأخذ شكل نصف الدائرة لأن ما يفصلة عن الشارع الكبير ميدان صغير مليء بالأشجار التي تكون في كثير من الأحيان غير منظمة ومُهملة ، بمجرد خروجي من خلف هذا الميدان وقبل وصولي إلي الطريق كنت قد حددت وجهتي بشكل مبدئي .. سوف أخذ جولة حول المنزل من بداية الشارع الكبير إلي نهايته ثم الدوران من أخره والعودة من الشارع الرئيسي المواز له لعل وعسي أن تظهر دروب جديدة أو بشر جدد قادرين علي إنتشالي من حالة الغرق النفسي - إن جاز التعبير - التي أمر بها تلك الحالة التي أشعر معها وكأن هناك من يدفع برأسي داخل دلو مليء بالمياه ويضغط عليها ليمنعني من التنفس فأشعر بطعم المياه يتدفق داخل فمي إلي جانب فقدان السيطرة علي أطرافي بشكل كبير فيداي تفعل ماتشاء كما تتحكم قدماي في طريقي ولكن أسعي بكل جهدي إلي المحافظة علي عينياي وعقلي بكامل قواهما لكي يساعداني في محاولاتي الدائمة واللحوحة لكي أزاول مهنتي التي أجيدها تماماً وهي التمعن في وجوه وملامح البشر ومحاولة النفاذ إلي داخلهم مع انني لا أعرفهم ولا يعرفوني .

أمر بجوار قطعة أرض مزروعة ومحاطة بسور صغير يقيم فيها بشكل شبة دائم مجموعة من تجار المخدرات لا يتعدي عمر أكبرهم الخامسة والعشرين كما أخبرني سائق التاكسي من قبل عندما حذرني من التعامل معهم ( بإعتبار أن بيع وشراء المخدرات أصبح شيء طبيعي ) لأنهم شباب خطرين يسمونهم الغرباوية لأنهم أغراب عن المنطقة ... أجدهم منتشرين في أنحاء المنطقة وتتوافد عليهم مجموعات من الناس مختلفي الأعمار لكي يقضو حاجتهم في ثوان بسيطة وينتهي الأمر .
أتابعهم بنظري وأنا في طريقي للخروج إلي الشارع الرئيسي ، وبمجرد خروجي أجدهم ينتظرون .... مجموعة من العائلات نساء ورجال في أعمار مختلفة ولكن الشيء الملفت للنظر هو عدد الأطفال الكبير الذي لا تستطيع معه أن تفرق بينم وبين الحقائب التي تلتف حولهم حركتهم سريعة ومرحة يتابعهم باقي العائلة مع عدد من التعليمات التي يتخللها بعض الصياح يمينا ويساراً لينبه بعدم عبور الطريق مما يجعل هذا الصياح يشكل الموسيقي التصويرية للمشهد ... أنتظر قليلاً بجوارهم فتأتي حافلة سياحية لتقلهم يجمعون حقائبهم وأطفالهم ويركبونها ويرحلون .

أتحرك أنا بدوري وأكمل طريقي وبعد أقل من دقيقتين يشد اذني صوت مرتفع نسبياً فأنظر تجاه الصوت فأجدها فتاة صغيرة في حوالي الثامنة من عمرها تنظر من شباك بيتها وتمسك مسدس صغير وتوجهه ناحيتي وتطلق أصوات من فمها في محاولة منها لمحاكاة صوت الرصاصة ، أبتسم لها ولكن يروادني هاجس يجعلني أسرع في خطواتي وأنا أتحسس مناطق متفرقة من جسدي وأنظر ليدي وكأني سوف أجدها ملوثة بالدماء فيغلبني الضحك وأنطلق مسرعاً قبل أن تراني .

لم تمر دقائق كثيرة علي عبوري بيت القاتلة الصغيرة إلا وكان رنين هاتفي المحمول يقطع افكاري .. اخرجة بملل فأجد الشاشة تضيء باسم صديق مقرب لدي ، أجيبة وبعد الكثير من الاسئلة المعروفة عن الصحة وخلافة والتي تمهد الطريق لفتح موضوع معين مما يجعلني أكرهها كثيراً حيث أنها لا تضيف جديد ونظل نكررها بإستمرار .. يخبرني عن رحلة بصحبة بعض الأصدقاء متجهة إلي شرم الشيخ ويلح بإصرار علي ضرورة وجودي معهم ، ولكن هناك أسباب عديدة تجعل من سفر مثل هذا شيء مستحيل مع انني في أمس الحاجة له ولكن ما باليد حيلة فأنا أعلم صعوبة الأمر، فأحاول التملص ويضايقني اصرارة علي الذهاب معهم ويعدد لي من مزايا الرحلة وكأني لا أعرفها ولا يتركني أنهي الأتصال إلا بوعد مني بالتفكير في الأمر وأنه سوف يتصل بي مرة أخري لعلي اغير من قراري.

أنهكني التفكير وقررت تغيير مساري وأتخذت قرار بالعودة للمنزل فوراً وأنا أشعر بالاعياء يتملك مني نتيجة للتخبط الذي أشعر به ، كما سيطر علي إحساس غامض صعقت عندما وجدت نفسي متورطاً فيه والغريب أنه غير قابل للتصنيف هل هو حزن أم حسد .. لا أعرف ... حيرة ؟ غالباً .. ولكني لا أثق في ذلك .... ومامعني الثقة أيضاً ... شفقة قد يستحقها البعض والرثاء للبعض الأخر ، أبتلعت كل هذا وجمعت أكبر قدر من الأفكار والأسئلة التي تمكنت من حملها في نفسي ورحلت عن الطريق القاسي صاعداً إلي منزلي متوجهاً بأقصي سرعة إلي غرفتي لعلي أجد فيها ما يساعدني علي التخلص من معاناتي أو علي الأقل مشاركتي في جزء منها .