الأربعاء، 21 يناير 2009

وقائع السهرة الأخيرة في تلك القهوة الصغيرة



أخبرنا القهوجي بأن اليوم هو أخر أيام المقهي حيث أن هناك مشاكل شديدة بين أصحاب البيت والمستأجر العجوز وأن هذه المشاكل قد أدت إلي إنهاء التعاقد بينهم ، وقد كان للخبر وقع مختلف علي رواد المقهي وأهالي المنطقة فبعضهم كان مؤيداً لفكرة إغلاقها والبعض لم يبالي بالموضوع ومنهم من أصابه الخبر كالصاعقة وكنت أنا وأصدقائي من الفريق الأخير .
وبعد هبوط النبأ علينا كان أول ما أتفقنا عليه جميعاً هو السهر علي القهوة لأقصي وقت ممكن قبل إغلاقها كنوع من أنواع الوداع والوفاء بالجميل ، وبدأ الحديث عن النتائج المترتبة علي تلك المشكلة حيث أننا نتجمع في هذا المكان منذ أكثر من خمس سنوات ، وطرح البعض أسئلة عن إمكانية وجود مكان بديل وله نفس المميزات فتلك القهوة رغم صغر حجمها إلا أنها تعتبر في منتصف المنطقة التي يقطن بها معظمنا ومهما تحركنا خلال اليوم يعلم الجميع أننا سوف نلتقي مساء في نفس المكان ، وتطرق بنا الحديث عن بعض الذكريات - بتلقائية شديدة - فلقد عاصرت معنا أخبار سعيدة وأخري حزينة ودار عليها العديد من الحوارات المجدية والغير مجدية ، ولم ينس صديقي الذي يسكن بجوار القهوة مباشرة أن يبدي أسفة لأن القهوجي بعد إنتهاء ورديته في المقهي لن يذهب إليه لينبهه صباحاً بموعد العمل .
بالصدفة لمحت عم حسين صاحب المقهي العجوز يجلس وحيداً أمام المكتب بجوار " النصبة " - نراه جالساً هكذا منذ بدايات ظهورنا في المنطقة - فذهبت إليه أنا وأحد الأصدقاء فاستقبلنا بوجهه البشوش مرحباً كالعادة وبعد السؤال عن أسباب ما سمعناه فأبلغنا أن البيت كان خالياً لا يسكنه أحد منذ وفاة صاحبه ، والأن عاد ولده من الخارج بعد غياب دام أكثر من خمسة عشر عاماً ويريد البيت والقهوة .. وأخذ يحدثنا عن مدي إرتباطه بالمكان وعن عدد المحاولات التي قام بها لكي يقنع صاحب المنزل ببقائه ، وفي لحظة واحدة إرتسم علي وجهه الحزن الموجود في العالم كله وهو يشير إلي جهاز راديو قديم بجواره ويخبرنا عن إصرار بعض أصدقائه علي المجيء دائماً يوم الخميس من كل إسبوع لكي يستمعوا إلي تسجيلات حفلات السيدة أم كلثوم التي يذيعها الراديو حيث يزعمون أن " الخروشة " الحميمة المصاحبة للصوت إلي جانب صحبتهم ترجعهم إلي أيام فاتت وتعيد عليهم ذكرياتهم الخاصة ، أسمع كل هذا من العجوز وأكتفي بما فيه من هموم وأتركه لها وأنصرف إلي أصدقائي .وبمجرد عودتي وجدت أحدهم يخبرني أن هناك مقهي قريب قد يصلح كبديل ، وأقترح صديق أن نقوم بزيارته وما بين مؤيد ومعارض إتفقنا أن نكمل سهرتنا هنا ونذهب في اليوم التالي لنري هل يستطيع هذا المكان الجديد أن يحتوينا بنفس القدر الذي نشعر به في مقهي عم حسين ، إنتهت السهرة سريعاً وإنصرف كل منا إلي حاله وإتفقنا علي تجمعنا غداً في ذلك المكان الجديد وفي اليوم التالي وصلت إلي المقهي البديل قبل وصول أي من الأصدقاء وجلست في أحد الأركان البعيدة عن مدخل القهوة أنتظرهم محاولاً تدريب عيني علي مفردات المكان ولكني - وللأسف الشديد - لم أنجح في ذلك منذ تلك اللحظة .. وحتي الأن .


السبت، 10 يناير 2009

عن ذلك الجبل الجليدي


عجيبة هي تلك الأوقات التي يسيطر فيها علينا حماس غير عادي لإنجاز شيء ما ، وغالباً ما يكون هذا الشيء غامض وغير معروف ولكن مجرد الرغبة في إنجاز أي شيء هي التي تجعلنا نشعر بتلك القوة الغريبة والغير مألوفة ، قوة إذا تم السيطرة عليها قد نتمكن من تكسير التابوهات المختلفة التي تحيط بنا والتي نعيش في سجنها وتسيطر علينا .
تبدأ تلك القوة في الظهور وكأنها جبل جليدي ينمو إلي سطح أرواحنا وتبدأ قمته في الظهور عندما ننفصل عن ذلك العالم المسمي بالواقع ونحلق في عالم الأحلام والرغبات والبعد عن كل تلك العقبات والمعوقات المسماة بالظروف ، وتكون قمة المتعة في ذلك الوقت وأنت تقف في شرفة الطابق الأول من جبلك الجليدي وتنظر إلي العالم الجديد المحيط بك ، صحيح ستتجمد أنفاسك ولكنك ستشعر أن الهواء الذي تستنشقه له رائحة مختلفة ونظيفة ومنعشة .
ستنتقل من طابق إلي أخر وستواجه صعوبة في التنقل بين الطوابق وستري الوصول إلي قمة جبلك الجليدي من المستحيلات - ولكنك ستفعل - وعندما تصل إلي القمة وتبدأ في البحث عن مكان يصلح للراحة ولو قليلاً ستواجهك حقيقة مهمة جداً وهي أن الثبات علي تلك القمة شيء في منتهي الصعوبة .
ستبدأ في القيام بعدة محاولات للحفاظ علي بقائك واقفاً فوق قمة الجبل وبمجرد ظهور شموس الواقع ومرارة الظروف الحارقة ستكتشف أن بنائك مهدد بالإنصهار والتفتت وكأنه لم يكن وهنا تكون لحظة التحدي الحقيقي بينك وبين حرارة المؤثرات الخارجية وهو تحدي يجب أن ينتهي بإنتصار أحدكما ، وبما أن أرجلنا مكبلة بالقيود في أرض الواقع فغالباً ما تكون الهزيمة من نصيبنا ونري جبالنا وقد إنهارت تحت وطأة الإحباط ، ستري كم هائل من الطاقة السلبية في تلك الهزائم ، ولكن هذه الهزائم لا تمثل زوال عالمنا فإن العالم مستمر مهما حدث لنا من هزائم .
ولكن يجب أن نعلم أننا يكفينا الإنتصار في تلك المعركة مرة واحدة فقط ، وإذا نجحنا في التخطيط والتدبير وإستطعنا الإنتصار عندها فقط سنستطيع حبس تلك الأنفاس الباردة داخلنا وستظل جبالنا الجليدية شامخة وطافية فوق أرواحنا وقادرة علي تجاوز أي حروب أخري قادمة ، وإذا أردت أن تري العالم بعد ذلك فإصعد إلي قمة الجبل وإنظر ماذا صنعت وسوف تجد نفسك قادر علي الإستلقاء وستجد كل الأماكن التي تفضلها صالحة للراحة وفي إنتظارك .


ضربة شمس ( جريدة الدستور 7/1/2009 )

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2008

من أجلنا وليس من أجل غزة




هناك من يحاول أن يضع الطرفين في تساوي وهذا وضع مهين .




هناك من يحاول أن يستخدم مبدأ وعلي نفسها جنت وهذا أكثر إهانة ..




هناك من يحاول أن يبرر ما يحدث وهذا شيء عجيب ...




وهناك وهناك




وهناك




ولكن الأكيد هو أنني قررت أن أقدم العزاء في أعز ما كنا نملك .... الإنسانية




الإنسانية التي ماتت تحت أقدامنا جميعاً .




لكم أقول البقاء لله ... ولا عزاء لأطفالنا .


الاثنين، 22 ديسمبر 2008

أن تكون مريضاً



بين الحين والأخر يسيطر علينا شعور غريب وغالباً ما يكون غامض وتصنيفه ليس سهل ، فقد يطلق عليه البعض غربة أو أسماء أخري مشابهه ، ولكنه في الحقيقة يكون شيء مبهم ، إحساس بعدم التأقلم مع عالمنا وأن وجودنا في هذا العالم غير طبيعي وغير منطقي وأن الوضع الصحيح هو وجودنا في دنيا أخري بها بشر مختلفين كل الأختلاف عن سكان هذا العالم الغريب .
ويظل هذا الشعور يتصاعد إلي أن يصل إلي مرحلة يكون فيها الواحد منا كالمصاب بإنفصام الشخصية فيكون له وجهان مختلفان أحدهما يتعامل به مع العالم الذي يعيش فيه ويراه مختلف عنه تماماً والأخر لنفسه ولذاته الحقيقية .. ذلك الذي يرتديه عندما ينفرد بأفكاره في صومعته الخاصة التي ستكون في تلك الحالة ملاذه الأخير .
ستجد أن هناك عوامل كثيرة تساعد علي زيادة هذا الشعور ، فالعالم الذي نعيش فيه مليء بالتناقضات والوجوه المزيفة التي يحملها أصحابها في حقائبهم ويبدلوها بإحترافية ودهاء حسب ترتيب المواقف ، وتلك قدرة لا يستهان بها ، فأحياناً تتمني لو أنك لم تتعلم أن الوجه الطبيعي للأنسان يصلح - دائما ً - للعب جميع المراحل في فيلم حياته بدون الحاجة لأي عمليات تجميل .
وهنا تظهر صعوبة المشكلة وتعقيدها فتصرفات الأشخاص المتناقضة بشدة تجعلنا نرفضهم ونرفض أفكارهم والغريب أن هؤلاء الأشخاص ينظرون إلينا بنفس النظرة ويحاولون السيطرة علي باقي المساحات المضيئة في عالم أصبح الزيف والنفاق هو السمة السائدة فيه ، وبما أننا نعيش وسط كل هذا تجد الحفاظ علي الوجه الحقيقي الخاص بك شيء في منتهي الصعوبة فتكون النتيجة هي محاولة صنع وجه أخر لكي يقوم بدور الدوبلير لكي تستطيع التعامل مع مفردات العالم المحيط .ولكنك ستتعلم مع الوقت أن أصحاب الوجوه الحقيقية موجودين قد يكونوا قليلين ولكنك لا تستطيع أن تنفي وجودهم ، وقد تصادف بعضهم هنا أو هناك في رحلة الحياة وسوف تشعر بوجودهم حتي وإن كانوا مصابين بنفس مرضك ويرتدون وجههم الصناعي لمواجهة العالم وأمام أحدهم سوف تكون في غاية الراحة وأنت تخلع عن نفسك القناع البديل وتتخلص منه وستجده هو الأخر يخلع قناعه فينظر كل منكم للأخر وترتسم علي وجوهكم إبتسامة هادئة وواثقة وتتشابك أيديكم .. وتبدأون السير في درب الحياة ، وبعد إنجاز مسافة من الطريق توقف وأنظر إلي عالمك مرة أخري وأعلم أن من تجدهم بجوارك وكل منهم يمسك بيديه قناعه البديل هم كل ما تبقي من أهل العالم السابق وأنهم يبحثون عنك مثلما تبحث عنهم .. وعندها فقط سوف تدرك أنك خلقت العالم الذي تريده وتستحقه .



ضربة شمس ( جريدة الدستور 3/12/2008 )

الأربعاء، 3 ديسمبر 2008

مبقاش في نفسي حاجات كتير


مبقاش في نفسي حاجات كتير .. معتدش بطير .. زي وأنا صغير .. تلك الكلمات التي لحنها وغناها - المتألق دائماً - وجيه عزيز عندما سمعتها لأول مرة وجدتني أنفصل بشكل تلقائي عن العالم محاولاً التأكد من مدي صحتها فقد عرفت مباشرة أنها مطابقة فعلاً لحالي وحال معظم جيلي ، فكلنا زمان كان في نفسنا حاجات كتير أوي بغض النظر عن إمكانية تحقيقها .
رجعت إلي سنوات عمري الماضية ورأيت أقاربي ومعارفي يلقون علي السؤال التقليدي المزعج نفسك تطلع إيه لما تكبر ؟ من منا لم يقع في ذلك الفخ ! كنت دائماً أرتجل في الكلام مع الكثير من التفكير والنظر في الأرض وأجاوب بأول مهنة تخطر علي ذهني والغريب إنها دائماً كانت مختلفة فمرة ضابط ومرة صحفي ومرة عالم فضاء وكان رد فعل " الكبار " علي تلك الإجابات هو الإبتسامة الخالية من أي تعبير لا تعلم هل هي تشجيعية أم بها شبهة تريقة مع عبارة علي غرار ياله شيد حيلك بقي علشان لما تكبر نجوزك مني ( غالباً بنت خالتك أو عمتك ) .
كانت طلباتي في تلك المرحلة العمرية كثيرة وأحلامي أكثر فكنت أحلم باليوم الذي سأمتلك فيه دراجتي الخاصه ، وأصنع الطائرات الورقية وأفعل الكثير لكي أراها تحلق في السماء وأنتظر المصيف الذي تتجمع فيه العائلة وأتمني أن أكبر سريعاً لكي لا يستطيع أحد أن يمنعني من لعب الكرة مع أصدقائي في الشارع ، وكان أكبر طموح لي هو الفوز في معركة مع أحد التلاميذ لكي يجلس أحدنا بجوار زميلة أخري كنت أحبها فعلاً دون أي أسباب أو أغراض .ولكن مع مرور السنوات وإختلاف المراحل ومعرفة أن مش كل حاجة الواحد نفسه فيها بتتحقق ، بدأت المعركة الأزلية بين جيوش الهموم القاسية وتجمعات الأحلام والأمنيات وقل البراح المسموح لنا فيه بالطيران وعرفت لماذا توقفت معظم تلك الحاجات عن مروادة خيالي إلي أن جائت تلك اللحظة التي إنتصرت فيها جحافل الهموم علي تجمعات الأحلام وسيطرت علي المساحة الأكبر من الخيال وأصبح الجزء المتبقي - من الحاجات القليلة الي نفسي فيها - يؤدي دوراً واحداً ألا وهو تسريب دفعات من الطاقة النفسية الإيجابية تدفع عجلة الحياة للأمام وكأن الواحد منا يعيش عدة سنوات ماضية لتكون هي وقوده في بعض السنوات القادمة وفعلاً بقيت دلوقتي زي ما وجيه عزيز قال .. مش قادر أعرف .. هو أنا الي خلاص بقيت كبير .. ولا الحاجات دلوقتي اصغر ؟؟



ضربة شمس ( جريدة الدستور 26/11/2008 )

الأربعاء، 19 نوفمبر 2008

إرتجال في محاولة للمرور من شيء ما


دائما وأبداً أحاول أن تبدو مفردات الحياة كما اتمناها مكونة من بعض الفوضي ومشغولة ببعض الفنون وتحتوي علي الكثير من الجنون .

يحتويني جسدي بصعوبة فأسعي دائماً للتحرر من قيودي التي أجدها طوال الوقت مصاحبة لي أينما ذهبت ولكني لن أمل السعي في هذا الاتجاه ، كما انني سأحافظ دائما علي بقايا نفسي التي أحتفظت بها في صندوق أشيائي بعدما تجلت أمام عيني قدرتي الخارقة علي عدم رؤية الأشياء بوضوح ليس لغموضها ولكن لزيادة التناقض الذي أصبح يغلف كل ما يتكون منه عالمي من أشخاص وشخصيات وتصرفات .. وبما أنه عالمي فأنا أعتبر نفسي مسؤلاً مسئولية كاملة عن ذلك .

وجب علي الأن الإرتجال .. و الإرتجال في مفهومة العام معروف للجميع ولكن في حالتي فهو مختلف ، الإرتجال بالنسبة لي يتمثل في محاولة إعادة التنظيم والترتيب ، أشعر الأن أنني صرت غامضاً حتي لإقرب أصدقائي قد أكون غير مشارك في تناقض هذا العالم ولكني غير مؤهل للحكم علي نفسي في هذا لأن الحكم هنا متروك - طبعاً - لتقدير الأخرين فهم من يشاهد تصرفاتي وحياتي وهم من يستطيعون الحكم علي هل أنا متهم بتلك الجريمة أم انني كما أشعر بريء منها .

لست أتهم الأخرين بشيء فبشاعة تلك التهمة مرعبة لأن المرادف الحقيقي للتناقض - في رأيي الخاص - هو عدم إتزان ولكني أتمني أن يكون هناك قانون صريح ينص علي أن من يشعر بضرورة التصرف بشكل معين يجب عليه أن يصيح بهذا ويعلنه بكل صراحة ووضوح وأن تكون أفكاره وتصرفاته تنضح بهذا لأن ذلك أفضل مائة مرة من محاولة إظهار العكس لأن حينها سيكون لي مطلق الحرية في قبوله أو رفضه بإعتبار أن هذا حق مكفول للجميع .

الأن وبعد أن حاولت أن أرتجل وأعبر عن ماتحتويه نفسي ولا أعلم هل نجحت في ذلك أم لا أشعر بشي يدفعني إلي عدم البوح بأكثر من هذا بل ويريدني هذا الشيء أن أقوم بإعدام كل السطور السابقة ، فأنا أشعر فيها بالتناقض وهذا شيء يحزنني كثيراً ، ولكني قد قررت الإرتجال ولذلك فأنا علي إستعداد كامل لتحمل مسئولية كل هذا الكلام الغير موجهه والذي أكتبه فعلا للمطلق وأبوح به لنفسي لعل وعسي أن ياتي يوم أتذكر فيه مثل تلك الكلمات وأحمد الله علي نعمة الإرتجال .


الخميس، 30 أكتوبر 2008

الليلة الكبيرة


الليلة الكبيرة ياعمي والعالم كتيرة .... كلما سمعت تلك الكلمات التي أبدع فيها الأسطورة صلاح جاهين ولحنها الرائع سيد مكاوي ، يرجع شريط حياتي بسرعة كبيرة لفترة زمنية بعيدة وأراها أمامي وكأني أتابع فيلم تسجيلي قديم حيث أراني طفل صغير يقف علي كرسي عتيق - موجود في بيتنا قبل وجودي - مكون من الخشب الأملس الجميل وله أرجل طويلة نسبياً تجعله يرتقي بحالة ليتحول إلي مسرح صغير ومبطن بالجلد البني الفاتح ومحلي بالمسامير المنقوشة ذات الرؤوس الكبيرة وأستمع إلي تلك الملحمة في مشغل الأسطوانات الذي رغم عمره الكبير يعمل وبحالة جيدة علي إخراج الصوت بطابع مختلف .
أسمعها فقط ولا أشاهدها وأطلق العنان لخيالي وأتخيل بعض أبطال الاوبريت الريس حنتيرة ، وشجيع السيما ، والراقصة ، حتي رواد المقهي كنت أرسم لهم ملامح لشخصياتهم طبقاً لأصواتهم، بمجرد إنطلاق الأصوات من الجهاز أبدأ في أداء بعض الحركات الأستعراضية من تنطيط علي الكرسي ومحاولة الغناء وتقليد الشخصيات ، عالم كامل شعرت بكل شخصياته وتعايشت معها وعاصرت تناقضتها وإيجابيتها وسلبيتها والغريب أن كل هذا لا يحدث إلا في تلك الغرفة المحاطة جدرانها الأربعة بالكتب التي لا يوجد بها أي فتحات سوي مدخلها وباب البلكونة التي نادراً ماكان يقوم أحد بفتحها وفوق هذا الكرسي تحديداً الذي عاصر معي فترات وأغاني قد تكون رائعة لدرجة غير قابلة للتعويض أتذكر منها جدف يامراكبي للجميل محمد حمام .
شعرت في وقت من الأوقات أن هناك علاقة شخصية نشأت بيني وبين أبطال تلك الملحمة ، قد أتكلم مع أحدهم وألعب مع أطفالها وأتخيل شجيع السيما " أبو شنب بريما " وهو يحاول القيام بكهربة السبع فينكشف أمره مع أول صياح للأسد ، أستمتع بشقاوة الأراجوز وهو يقوم بتضليل السائل ، كل هذا كان يمر علي في لحظات إستماعي لهذه الملحمة قبل أن أشاهدها وبعدما شاهدتها كعرض للعرائس زاد إنبهاري بها كطفل صغير ، وتحولت شخصياتها بأسمائها إلي مادة خصبة في خيالي للكلام والغناء وحاولت مرات عديدة أن أرسم بعض من أبطالها ، وبمرور الوقت ظلت تلك الشخصيات تختفي من حياتي واحدة وراء الأخري ولم يتبقي منهم سوي خيالات مشوشة وكلمات جاهين التي أحاول الحفاظ عليها وعلي ماتبقي من تلك الفترة .أما الأن وبعد أن تركت بيتي القديم وتركت معه كماً هائلاً من المواقف والذكريات الجميلة وبعدما توقفت الحياة عن إعطائي مثل تلك الأشياء - أو هكذا أعتقد - أذهب بين الحين والأخر إلي بيتي القديم وأدخل إلي تلك الغرفة فأجد مسرحي الصغير يأخذ من أحد الأركان مستقراً له وعندما أنظر إلي أرضيته أجد بها قطعاً صغيراً نتيجة إختراق قدم طفل صغير لها أثناء تأديته لأخر إستعراض من إستعراضاته اليومية ... زحمة ياولداه كام .. عيل تاه .



ضربة شمس ( جريدة الدستور 29/10/2008 )